الشيخ محمد علي طه الدرة
297
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
القول الثالث : قال آخرون : بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة ، فلم يعرفوا شطرها ، فصلوا على أنحاء مختلفة ؛ لما روي عن عامر بن ربيعة عن أبيه - رضي اللّه عنه - قال : كنا في ليلة سوداء مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنزلنا منزلا ، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدا يصلي فيه ، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير قبلة ، فقلنا : يا رسول اللّه لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة ، فأنزل اللّه عز وجل : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ . . . . هذا وقال ابن جرير : ويحتمل : فأينما تولوا في دعائكم لي ؛ فهنالك وجهي أستجب لكم دعاءكم . إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ يسع خلقه كلهم بالكفاية ، والرزق ، والجود ، والعطاء ، وهو واسع الفضل ، والرّحمة . وقيل : واسع القدرة ، والرزق . وقيل : هو الغني ؛ الذي وسع جميع مخلوقاته غناه . عَلِيمٌ : بأفعالهم ما يغيب منها شيء ، قال تعالى : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً . مسألة تتعلّق بحكم الآية ، وهي : أن المسافر إذا كان في مفازة ، أو بلاد الشّرك ، واشتبهت عليه القبلة ، فإنّه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل ، ويصلي إلى الجهة التي أدّى إليها اجتهاده ، ولا إعادة عليه ، وإن لم يصادف القبلة ، فإنّ جهة الاجتهاد قبلته ، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللّوح ، فإنه يصلي على حسب حاله ، وتصحّ صلاته ، وكذا المشدود على جذع شجرة ، ونحوها ، بحيث لا يمكنه الاستقبال ، واللّه أعلم . الإعراب : وَلِلَّهِ : الواو : حرف استئناف . ( لِلَّهِ ) : متعلقان بمحذوف خبر مقدّم . الْمَشْرِقُ : مبتدأ مؤخر ، والجملة الاسمية مستأنفة لا محل لها . وَالْمَغْرِبُ : معطوف على ما قبله . فَأَيْنَما : الفاء : حرف عطف وتفريع أو هي الفصيحة . ( أينما ) : اسم شرط جازم مبني على السكون . ويقال : مبني على الفتح ، و ( ما ) : زائدة ، وهو في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بالفعل بعده . وقيل : متعلق بجوابه ، والأول أصح . تُوَلُّوا : فعل مضارع فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والألف للتفريق ، والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها ابتدائية ، أو هي في محل جر بإضافة : ( أينما ) إليها على اعتبارها متعلقة بالجواب . فَثَمَّ : الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( ثمّ ) : ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم ، وقد بني على الفتح لتضمنه معنى الإشارة ، وقيل : لتضمنه معنى حرف الخطاب . وَجْهُ : مبتدأ مؤخر ، وهو مضاف ، و لِلَّهِ : مضاف إليه ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط ، والشرط ومدخوله كلام معطوف على ما قبله لا محل له مثله ، والجملة الاسمية : إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ مستأنفة لا محل لها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 116 ] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) الشرح : وَقالُوا : أي : اليهود ، والنّصارى ، ومن زعم : أنّ الملائكة بنات اللّه ، وهم العرب . اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً : فقد أخرج البخاري عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم